فخر الدين الرازي
365
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
سورة ص ثمانون وثمان آيات مكية بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ( 1 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ( 2 ) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ ( 3 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : الكلام المستقصى في أمثال هذه الفواتح مذكور في أول سورة البقرة ولا بأس بإعادة بعض الوجوه فالأول : أنه مفتاح أسماء اللّه تعالى التي أولها صاد ، كقولنا صادق الوعد ، صانع المصنوعات ، صمد والثاني : معناه صدق محمد في كل ما أخبر به عن اللّه الثالث : معناه صد الكفار عن قبول هذا الدين ، كما قال تعالى : الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ * [ النحل : 88 ] الرابع : معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها ولستم قادرين على معارضة القرآن ، فدل ذلك على أن القرآن معجز الخامس : أن يكون صاد بكسر الدال من المصادة وهي المعارضة ومنها الصدى وهو ما يعارض صوتك في الأماكن الخالية من الأجسام الصلبة ، ومعناه عارض القرآن بعملك فاعمل بأوامره وانته عن نواهيه السادس : أنه اسم السورة والتقدير هذه صاد ، فإن قيل هاهنا إشكالان أحدهما : أن قوله : وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ قسم وأين المقسم عليه ؟ والثاني : أن كلمة ( بل ) تقتضي رفع حكم ثبت قبلها ، وإثبات حكم بعدها يناقض الحكم السابق ، فأين هذا المعنى هاهنا ؟ والجواب : عن الأول من وجوه الأول : أن يكون معنى صاد ، بمعنى صدق محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، فيكون صاد هو المقسم عليه ، وقوله : وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ هو القسم الثاني : أن يكون المقسم عليه محذوفا ، والتقدير سورة ( ص والقرآن ذي الذكر ) أنه لكلام معجز ، لأنا بينا أن قوله ص تنبيه على التحدي والثالث : أن يكون صاد اسما للسورة ، ويكون التقدير هذه ص والقرآن ذي الذكر ، ولما كان المشهور أن محمدا عليه السلام يدعي في هذه السورة كونها معجزة ، كان قوله هذه ص جاريا مجرى قوله : هذه هي السورة المعجزة ، ونظيره قولك هذا حاتم واللّه ، أي هذا هو المشهور / بالسخاء والجواب : عن السؤال الثاني أن الحكم المذكور قبل كلمة بَلِ « 1 » أما
--> ( 1 ) الحكم الذي قبل كلمة ( بل ) هو وصف القرآن بأنه تذكير لهم بوجوب التوحيد والإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر وكل ما تفيده كلمة ذي الذكر وهذا هو الحكم المتبادر من ظاهر الآية ، وبهذا يكون للإضراب ببل معنى ويجري الكلام على الأساليب العرابية . فهو قبيل الاستنتاج والاعتماد على ما جاء بعد ( بل ) من الآيات والإضراب لا يكون عن حكم لم يذكر .